أبي حيان التوحيدي

111

المقابسات

ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ . ولقد اضطررت بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء ، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة ، وإلى بيع الدين والمروءة ، وإلى تعاطى الرياء بالسمعة والنفاق ، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم ، ويطرح في قلب صاحبه الألم . وأحوال الزمان بادية لعينك ، بارزة بين مسائك وصباحك . وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك ، وشدة تتبعك وتفرغك . وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلته وأتيته ، بما قدمته ووصفته ، وبما أمسكت عنه وطويته ؛ إما هربا من التطويل ، وإما خوفا من القال والقيل وبعد ، فقد أصبحت هامة اليوم أوغد ، فإني في عشر التسعين ، وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة ، أو رجاء لحال جديدة ! ألست من زمرة من قال القائل فيهم : نروح ونغدو كلّ يوم وليلة * وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو وكما قال الآخر : تفوّقت درّات الصّبى في ظلاله * إلى أن أتاني بالفطام مشيب وهذا البيت للورد الجعدي وتمامه يضيق عنه هذا المكان واللّه يا سيدي لو لم ألفظ إلا بمن فقدته من الاخوان أو الأخدان في هذا الصقع من الغرباء والأدباء والأحباء لكفى . فكيف بمن كانت العين تقر بهم ، والنفس تستنير بقربهم ، فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والري ، وما وإلى هذه المواضع ، وتواتر إلىّ نعيهم ، واشتدت الواعية بهم ! فهل أنا إلا من عنصرهم ؟ وهل لي محيد عن مصيرهم ! ؟ أسأل اللّه تعالى رب الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرف ، موصولا بنزوعى عما اقترف ، إنه قريب مجيب وبعد ، فلى في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ، ويؤخذ بهديهم ، ويعشى إلى نارهم ، منهم :